النسخة الجديدة
الملكة وصنعة التعليم في مقدمة ابن خلدون: قراءة في المفاهيم وحدود الاستلهام
«فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتًا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم.»1
ملخص
تتناول هذه الدراسة التصور التعليمي في «مقدمة» ابن خلدون (732–808هـ/1332–1406م). ويقرؤه البحث من خلال مفهومين: «الملكة» بوصفها غاية التعليم، و«الصنعة» بوصفها وصفًا لطبيعة الفعل التعليمي. ويعتمد البحث قراءة نصية مفاهيمية لفصول الباب السادس من الكتاب الأول من «كتاب العبر». وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن ابن خلدون لا يقدّم «نظرية تعليمية» بالمعنى الاصطلاحي الحديث، وإنما يقدّم منظورًا متسقًا مندمجًا في علم العمران. غاية هذا المنظور تكوين الملكة، ووسائله التدرج المكرر والممارسة والمحاورة، وشرطه الاجتماعي سندٌ تعليمي متصل لا يقوم إلا في عمران حضري. ويخلص البحث إلى أن قيمة هذا المنظور اليوم تكمن في أسئلته ومفاهيمه أكثر مما تكمن في وصفاته الجاهزة. ويخلص كذلك إلى أن استلهامه مشروط بالتمييز الصارم بين ما قاله ابن خلدون، وما نستنتجه منه، وما نقترحه انطلاقًا منه.
الكلمات المفتاحية: ابن خلدون، الملكة، صنعة التعليم، التعليم المفيد، السند، العمران، الديداكتيك.
مقدمة
ارتبط اسم ابن خلدون في الدراسات العربية والاستشراقية بالتاريخ والاجتماع والسياسة أساسًا. فقد شغلت مفاهيم العصبية والدولة والعمران البدوي والحضري أكثر من كتب عنه. ولم يلق الجانب التعليمي من «المقدمة» العناية نفسها، على الرغم من أن ابن خلدون أفرد له عددًا معتبرًا من فصول الباب السادس. ولم يكتف فيها بالوصف، بل نقد ممارسات عصره، واقترح ما سماه «وجه التعليم المفيد».
وقد كُتب عن «التربية عند ابن خلدون» كثير. غير أن قسطًا وافرًا من هذه الكتابات يتراوح بين نزعتين. الأولى نزعة احتفالية تجعل ابن خلدون «رائدًا» لكل ما جاءت به التربية الحديثة. والثانية نزعة تلخيصية تكتفي بسرد آرائه دون مساءلتها. أما هذه الدراسة فتسعى إلى قراءة ثالثة، تعيد بناء الجهاز المفاهيمي الخلدوني من داخل النص. ثم تضعه في سياقه المعرفي والاجتماعي، ولا تقارنه بالتربية الحديثة إلا مقارنة وظيفية تعي حدودها.
الإشكالية. تتمحور الدراسة حول سؤال جامع: ما طبيعة التصور التعليمي في «المقدمة»؟ وإلى أي حد يجوز وصفه بأنه نظرية، وإلى أي حد يجوز استلهامه في مدرسة اليوم؟ ويتفرع عن هذا السؤال ثلاثة أسئلة:
- ما موقع التعليم في البناء العام للمقدمة، وما صلته بعلم العمران؟
- ما مفهوم الملكة عند ابن خلدون، وما أصوله، وكيف يتحقق تكوينه بحسب «وجه التعليم المفيد»؟
- ما الذي يمكن نقله من هذا التصور إلى سياق تعليمي معاصر، وما الذي لا يمكن نقله؟
المنهج والمصادر. نعتمد قراءة نصية تحليلية لفصول التعليم وفصول ملكة اللسان من الباب السادس، مع الرجوع إلى فصول الباب الخامس ذات الصلة. ونعتمد أساسًا تحقيق عبد السلام الشدادي لـ«المقدمة»2. ونذكر عنوان الفصل في كل إحالة، لأن ترقيم الفصول والصفحات يختلف بين الطبعات. ونستعين بالمقارنة التاريخية مع مصنفات تعليمية سابقة لابن خلدون لتمييز الأصيل في تصوره من الموروث. ونتوسل أخيرًا بمقارنة استكشافية مع بعض مفاهيم التربية الحديثة. وننبه في كل موضع إلى أنها مقارنة وظيفية لا تطابق فيها.
وحرصًا على الوضوح المنهجي، نميز في هذه الدراسة بين ثلاثة مستويات من الكلام. الأول ما يقرره ابن خلدون نصًا. والثاني ما نستنتجه نحن من كلامه. والثالث ما نقترحه انطلاقًا منه للحاضر.
أولًا: موقع التعليم في بنية المقدمة
1. «المقدمة» والكتاب الأول
ينبغي أولًا تصحيح التباس شائع في تعيين موضع الكلام عن التعليم. فـ«المقدمة» بالمعنى المتداول هي الكتاب الأول من «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر». ويتوزع هذا الكتاب على ستة أبواب (يسميها ابن خلدون «فصولًا»)، وكل باب منها مقسم إلى فصول. فالباب الأول في العمران البشري على الجملة، والثاني في العمران البدوي، والثالث في الدول والملك والخلافة. والرابع في البلدان والأمصار، والخامس في المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع. أما السادس ففي العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه.
وعليه فالكلام عن التعليم لم يُؤجَّل إلى «كتاب ثالث»، وإنما جاء في الباب السادس والأخير من الكتاب الأول. وتقدمته إشارات في الباب الخامس، أبرزها فصل «في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلًا وخصوصًا الكتابة والحساب».
2. جرد الفصول ذات الصلة
إذا اقتصرنا على الفصول التي تعالج التعليم صراحة، أمكن تمييز ثلاث مجموعات:
- فصول تأسيسية: «في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري»، و«في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، و«في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
- فصول في طرق التعليم ونقدها: «في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»، و«في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم»، و«في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته»، و«في أن العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار ولا تفرع المسائل»، و«في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه»، و«في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم»، و«في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم».
- فصول ملكة اللسان: وهي سلسلة تبدأ بفصل «في أن اللغة ملكة صناعية». ومنها «في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم»، و«في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان»، والفصول في حصول ملكة الشعر والترسل وارتباطها بجودة المحفوظ.
وكثيرًا ما تُغفل المجموعة الثالثة في الدراسات التربوية عن ابن خلدون، لأنها تُقرأ ضمن «علوم اللسان». والحق أنها أوفى ما كتبه في آلية تكوين الملكة. وفيها أوضح تطبيق لمبدئه في أن الملكة تُكتسب بالممارسة لا بتلقين القوانين.
3. لماذا وُضع التعليم مع العلوم وهو «صنعة»؟
يقرر ابن خلدون أن التعليم صنعة. ومع ذلك لم يُدرجه في باب الصنائع (الخامس)، بل في باب العلوم (السادس). ونرى أن هذا الاختيار يُفهم على مستويين.
المستوى الأول منطقي. التعليم في تعريف ابن خلدون صنعة موضوعها العلم. فهو تابع للعلم في الوجود، إذ لا تعليم إلا لعلم حاصل. والكلام في طرق إفادة العلوم لا يستقيم إلا بعد بيان أصناف العلوم ومراتبها، ومنها التمييز بين العلوم المقصودة لذاتها والعلوم الآلية.
المستوى الثاني عمراني. الفصل الذي يفتتح به الباب السادس يقرر أن «العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري». ومعنى ذلك أن الإنسان مفكر بطبعه، يتشوف إلى تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات. فيرجع إلى من سبقه بعلم، ثم تتشوف نفوس الجيل الناشئ إلى ما حصّله هو، «ويجيء التعليم من هذا»3. فالتعليم عند ابن خلدون هو الآلية الاجتماعية التي تنتقل بها العلوم عبر الأجيال. ولذلك كان موضعه الطبيعي حيث يتكلم عن العلوم.
ومن هنا نستنتج، وهو استنتاج منا لا تصريح من ابن خلدون، أن العملية التعليمية دورة اجتماعية: تعلّمٌ، ثم حيازة علم مخصوص، ثم تعليمٌ للجيل اللاحق. وأولوية التعلم على التعليم في هذه الدورة أولوية منطقية لا زمنية مطلقة. فكل معلّم كان متعلمًا، وكل تعليم يفترض تعلمًا سابقًا.
ولا نرى حاجة إلى تأسيس هذا الاستنتاج على «نظرية الأطوار» الخلدونية في الدولة، كما يفعل بعض الدارسين. فأطوار الدولة عند ابن خلدون مسار من النشأة إلى الهرم، لا دورة تجدد ذاتها. وأنماط الحكم الثلاثة (الملك الطبيعي، والسياسة العقلية، والخلافة) أنماطٌ في المشروعية لا مراحل في تطور تاريخي. بل إن ابن خلدون يقرر أن الخلافة انقلبت إلى ملك، لا العكس. فالأسلم أن يُبنى الاستنتاج على نص الفصل نفسه.
ثانيًا: التعليم صنعة حضرية
1. معنى أن يكون التعليم صنعة
يرى ابن خلدون أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما يكون «بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله»4. وما دامت الملكة هي المطلوب، كان تحصيلها كتحصيل سائر الصنائع: بالتلقي عن أهلها، والمباشرة، والتكرار.
ويستدل ابن خلدون على أن التعليم صنعة باختلاف الاصطلاحات فيه. فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به، «شأن الصنائع كلها»5. والعلم واحد، والاصطلاحات في تعليمه متعددة. فالاصطلاح إذن ليس من العلم، بل من صنعة إيصاله. وهذا تمييز دقيق بين المعرفة وطريقة تقديمها للمتعلم. ويقترب هذا التمييز مما سيسميه الديداكتيك الحديث «النقل الديداكتيكي» (La transposition didactique)، أي تحويل المعرفة العالِمة إلى معرفة قابلة للتدريس6. ونقرر هذه المقاربة على سبيل التشابه في الوظيفة لا التطابق في الإطار النظري.
2. السند التعليمي وانقطاعه
إذا كان التعليم صنعة، فإنه يخضع لما تخضع له الصنائع في علم العمران. والصنائع عند ابن خلدون تكثر وتجود بكثرة العمران والحضارة، وتضعف وتنقطع بتراجعهما. ومن هنا يأتي حكمه بأن العلوم «إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».
ويتحدث ابن خلدون في هذا السياق عن «سند التعليم». والمقصود به سلسلة متصلة من المعلمين الحاذقين، تنتقل عبرها الملكة من جيل إلى جيل. فإذا انقطعت هذه السلسلة بخراب العمران أو تراجعه، لم يُغنِ عنها وجود الكتب. لأن الملكة لا تُنقل بالكتاب وحده، بل بالمباشرة والتلقين. ويضرب لذلك مثلًا بالمغرب والأندلس، حيث تراجع العمران فتقلص سند التعليم. ويقابلهما بالمشرق ومصر، حيث بقي السند متصلًا لاستبحار العمران فيهما7.
وفي ضوء هذا نفهم النص الذي صدّرنا به الدراسة. فطلبة المغرب في وصف ابن خلدون يقضون أعمارهم في المجالس العلمية «سكوتًا لا ينطقون». لأن انقطاع السند أفقد التعليم عندهم المحاورة والمناظرة، وهما أيسر طرق الملكة. فنقد ابن خلدون هنا ليس نقدًا تقنيًا لطريقة تدريس، بل تشخيص عمراني لأزمة صنعة.
وهذا في تقديرنا أهم ما يميز التصور الخلدوني عن غيره من المصنفات التعليمية في التراث الإسلامي. فهو لا يكتفي بوصايا للمعلم والمتعلم، بل يربط جودة التعليم بشروطه الاجتماعية والاقتصادية. وبهذا يندمج التعليم في نظرية العمران ولا يبقى ملحقًا بها.
ثالثًا: الملكة، المفهوم وأصوله
1. الملكة من خلال النص الخلدوني
يرد مفهوم الملكة في مواضع كثيرة من الباب السادس. ويمكن أن نستخلص من هذه المواضع العناصر الآتية:
- الملكة مكتسبة بتكرار الأفعال. يقول ابن خلدون: «والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقع أولًا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالًا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة، أي صفة راسخة»8. فالمسار إذن: فعل، ثم صفة، ثم حال، ثم ملكة.
- الملكة غير الفهم والوعي. فهم المسألة الواحدة قد يشترك فيه المبتدئ والمنتهي، بل والعامي. أما الملكة فلا تكون إلا للعالم أو المستبحر في فنه9. فالفرق بين الفهم والملكة فرق بين إدراك المسألة والقدرة الراسخة على التصرف في العلم كله.
- الملكة شرط الحذق. «وما لم تحصل الملكة لم يكن الحذق»10. فالحذق هو الأثر الظاهر للملكة في الأداء.
- الملكة تنمو وتضعف. المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم «استعد بها لقبول ما بقي». وفي المقابل تُنسى الملكة إذا تُرك الفعل الذي نشأت عنه11.
- الملكة «جسمانية». يقرر ابن خلدون أن الملكات كلها جسمانية، سواء كانت في البدن أو في الدماغ12.
ويقتضي الوصف الأخير وقفة. فقد فهمه بعض الدارسين بمعنى «خارجية وقابلة للملاحظة»، وقرّبوه من المفهوم السلوكي الحديث. غير أن «الجسماني» في السياق الخلدوني يقابل «الروحاني» الذي يتحدث عنه في مواضع أخرى من المقدمة. ومعنى أن الملكة جسمانية أنها صفة تحصل في قوى النفس المتعلقة بالبدن، ومنها قوى الدماغ من فكر وخيال وذاكرة. وتحصل بالاكتساب والتكرار، لا بالإلهام أو الفيض. فالملكة عند ابن خلدون حالة داخلية راسخة تظهر آثارها في الأداء، وليست هي الأداء نفسه. ولهذا لا يصح أن تُعدّ مفهومًا سلوكيًا إلا على سبيل التجوز.
وبناء على ما سبق نقترح التعريف الآتي: الملكة عند ابن خلدون صفة راسخة في النفس، مكتسبة بتكرار الفعل في صنعة أو علم، تتجاوز فهم المسائل إلى القدرة على التصرف فيها واستنباط فروعها، وتظهر في الحذق، وتنمو بالممارسة وتضعف بتركها.
2. أصول المفهوم
لم يبتكر ابن خلدون مصطلح «الملكة»، بل ورثه وأعاد توظيفه. وأوضح أصوله الأصل الفلسفي. فقد ترجم النقلة العرب المصطلح الأرسطي «هكسيس» (ἕξις) بـ«الملكة». وترجموا «ديا تيسيس» (διάθεσις) بـ«الحال». ويميز أرسطو في كتاب «المقولات» بين الاثنين بأن الملكة أثبت وأدوم من الحال وأعسر زوالًا13. ويقرر في «الأخلاق النيقوماخية» أن الفضائل الخلقية تحصل بالتعود وتكرار الأفعال لا بالطبع14. وقد تداول الفلاسفة المسلمون هذا التمييز، كالفارابي وابن سينا وابن رشد.
ويطابق مسار ابن خلدون (حال غير راسخة ثم ملكة راسخة بالتكرار) هذا الأصل مطابقة واضحة. لكن ابن خلدون نقل المفهوم من مجال الأخلاق والنفس إلى مجال الصنائع والعلوم واللسان. وجعله مفهومًا مركزيًا لتفسير اكتساب المعرفة والمهارة معًا.
أما الأصل الثاني فلغوي بلاغي. فقد شاع لدى النحاة والبلاغيين الحديث عن ملكة اللسان وفساد الملكة العربية بمخالطة العجم. ووظّف ابن خلدون هذا الاستعمال توظيفًا واسعًا في فصول ملكة اللسان. حتى إنه عرّف اللغة نفسها بأنها «ملكة صناعية».
ويترتب على هذين الأصلين أمر مهم. فالملكة عند ابن خلدون ليست دائمًا فردية خالصة. صحيح أنها تحصل في الأفراد، لكنه يتحدث أيضًا عن ملكة اللسان العربي لدى جيل بأكمله، وعن فسادها في أهل الأمصار. وهذا ما يجعلها قريبة، من وجه، مما سيسميه علم الاجتماع الحديث «الهابيتوس»: استعدادات مكتسبة يتشربها الفرد من وسطه وتنتظم بها ممارساته15.
3. الملكة الغائية والملكة الوسيطة
يمكن التمييز في كلام ابن خلدون بين نوعين من الملكات. الأول ملكات مقصودة هي غاية التعلم، كملكة الفقه أو ملكة البيان. والثاني ملكات وسيطة تخدم الأولى، كملكة العربية بالنسبة إلى العلوم الشرعية. وهذا التمييز موازٍ لتمييزه بين العلوم المقصودة لذاتها والعلوم الآلية. وسنرى أثره في مبادئ «التعليم المفيد».
رابعًا: نقد الممارسات التعليمية في عصره
1. كثرة التآليف وكثرة الاختصارات
ينتقد ابن خلدون ظاهرتين متقابلتين. الأولى كثرة التآليف في العلم الواحد واختلاف الاصطلاحات فيها. فالمتعلم يُطالب باستحضار ذلك كله، «والعمر ينقضي في واحد منها»16. وليس المقصود ذم التأليف في ذاته، بل ذم تكاثر الشروح والطرق في المادة الواحدة حتى يصير تحصيلها غاية بدل أن يكون وسيلة.
والظاهرة الثانية كثرة الاختصارات، وهي عنده ليست علاجًا للأولى بل آفة مقابلة. فالمختصر يحشو المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، فيخل بالبلاغة ويعسر الفهم. ويلقي الغايات على المبتدئ قبل أن يستعد لها. والملكة الحاصلة منه «قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة»17. فالمطلوب إذن ليس طولًا ولا قِصرًا، بل ملاءمة المادة لاستعداد المتعلم ومرحلته.
2. مذاهب الأمصار في تعليم الولدان
يقرر ابن خلدون أن المسلمين أجمعوا على تعليم القرآن للولدان، واختلفوا في طرقه. فأهل المغرب يقتصرون على القرآن ورسمه وقراءاته. وأهل الأندلس يخلطون في تعليمهم رواية الشعر والترسل وقوانين العربية وتجويد الخط. وأهل إفريقية يخلطون القرآن بالحديث وبعض قوانين العلوم، مع عنايتهم بالقراءات والخط. أما أهل المشرق فيذكر أنهم يخلطون كذلك، ويقرّ بأن معرفته بطرائقهم محدودة18.
ثم يحاكم هذه المذاهب بمعيار الملكة. فأهل المغرب أقوم على رسم القرآن وحفظه، لكنهم قاصرون في ملكة اللسان. لأن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة، إذ البشر مصروفون عن الإتيان بمثله والنسج على منواله. وأهل الأندلس حصلت لهم بالشعر والترسل ملكة في اللسان، لكنهم قصّروا في العلوم.
ثم ينقل ابن خلدون رأي القاضي أبي بكر بن العربي في كتاب رحلته. وخلاصته أن يُقدَّم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم، ثم يُنتقل إلى الحساب، ثم إلى درس القرآن، فيكون أيسر على المتعلم. ويعلق ابن خلدون: «وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه»19. فالمانع عنده ليس تربويًا بل اجتماعي: الآباء يخشون أن تخترم الصبيَّ العوارضُ قبل أن يحفظ القرآن.
وهذا النص بالغ الأهمية لسببين. فهو يكشف أن ابن خلدون يحاكم المذاهب التعليمية بمعيار وظيفي هو حصول الملكة. ويكشف كذلك أنه يدرك أن الطرق التعليمية محكومة بالعوائد والبنى الثقافية لا بالاعتبارات التربوية وحدها.
3. الشدة على المتعلمين
يقرر ابن خلدون أن «إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد»20. ويبين آلية الضرر في تسلسل سببي محكم. فالقهر يضيّق على النفس انبساطها ويذهب بنشاطها، ويدعو إلى الكسل، ويحمل على الكذب والخبث خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر. ثم يصير المكر والخديعة عادة وخلقًا، فتفسد «معاني الإنسانية» في المتعلم. ثم يعمم الحكم على الأمم التي وقعت في قبضة القهر.
ونسجل هنا ملاحظتين. الأولى أن ابن خلدون لا يدعو إلى إلغاء العقوبة إلغاءً تامًا، بل إلى تقييدها. فهو ينقل عن أبي محمد بن أبي زيد أن مؤدب الصبيان لا ينبغي له أن يزيد في ضربهم، إذا احتاجوا إليه، على ثلاثة أسواط. وينقل وصية هارون الرشيد لمؤدب ولده الأمين، وفيها تقديم القرب والملاينة، فإن لم ينفع ذلك «فعليك بالشدة والغلظة»21. فموقفه أقرب إلى «الحد الأدنى من الشدة» منه إلى رفض العقاب البدني رفضًا مطلقًا بالمعنى الحديث. وإسقاط هذا المعنى الحديث عليه مجازفة.
الثانية أن ابن خلدون يمثّل للأمم التي فسدت أخلاقها بالقهر باليهود، ويصفهم بالتخابث والكيد. وهذا تعميم جوهراني يعكس تصورات عصره. ويمكن أن نستبقي منه الفكرة التحليلية، وهي أن القهر الطويل ينتج أنماطًا من السلوك الدفاعي. ونرفض في الوقت نفسه نسبة صفات أخلاقية ثابتة إلى جماعة بعينها.
خامسًا: «وجه التعليم المفيد»
يلخص ابن خلدون تصوره الإيجابي في فصل «في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته». ويمكن أن نستخلص منه ومن الفصول المجاورة المبادئ الآتية.
1. التدرج المكرر: ثلاث مراحل
يقرر ابن خلدون أن «تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج شيئًا فشيئًا وقليلًا قليلًا»22. ويفصّل ذلك في ثلاث مراحل يعود فيها المعلم على الفن نفسه بمستويات متصاعدة:
- مرحلة الإجمال: يُلقى على المتعلم من كل باب أصوله ومسائله الكلية، ويُقرّب له الشرح على سبيل الإجمال، مع مراعاة قوة عقله واستعداده. وغايتها «ملكة جزئية ضعيفة» تهيئه لفهم الفن.
- مرحلة التفصيل: يرجع به المعلم إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر الخلاف ووجهه إلى آخر الفن. فتجود ملكته.
- مرحلة الاستيفاء: يرجع به ثالثة، فلا يترك عويصًا ولا مهمًا ولا مغلقًا إلا وضحه، «فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته».
ثم يقول: «هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه»23. فالتدرج والتكرار عنده ليسا مبدأين منفصلين، بل وجهان لطريقة واحدة. والتكرار المقصود ليس إعادة الشيء نفسه، بل عودة إلى المادة نفسها في مستوى أعمق. ويُلاحَظ أيضًا أن ابن خلدون يعترف بالفروق الفردية، فالمراحل الثلاث قاعدة غالبة لا قانون صارم.
2. ما يُتجنب في أثناء التدرج
- إلقاء الغايات في البدايات. فالمتعلم إذا أُلقيت عليه المسائل المقفلة قبل استعداده كلّ ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم، فتكاسل عنه وهجره.
- الإطالة وتفريق المجالس. ينبغي ألا يطوّل المعلم على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها، لأن ذلك ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها عن بعض.
- الخلط بين علمين. ينبغي ألا يُخلط على المتعلم علمان معًا، لأنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما، لما فيه من تقسيم البال وانصرافه24. ويصوغ ابن خلدون هذا المبدأ بصيغة احتمالية: إذا تفرغ الفكر لما هو بسبيله «فربما كان ذلك أجدر بتحصيله». فهو ترجيح لا حكم قاطع.
3. الاقتصاد في العلوم الآلية
يميز ابن خلدون بين علوم مقصودة بالذات، كالشرعيات والطبيعيات والإلهيات، وعلوم آلية وسيلة إليها، كالعربية والحساب بالنسبة إلى الشرعيات، والمنطق بالنسبة إلى الفلسفة. ويقرر أن العلوم الآلية لا ينبغي أن يُتوسع فيها، ولا أن تُفرَّع مسائلها، ولا أن تُطلب لذاتها، لأن ذلك خروج بها عن المقصود. «فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل، فمتى يظفرون بالمقاصد؟»25.
ويجب الحذر هنا من توسيع مفهوم «العلوم الآلية» إلى ما لا يحتمله النص. فالشعر ليس عند ابن خلدون علمًا آليًا يُستغنى عنه، بل هو المادة التي تُكتسب منها ملكة اللسان. والتاريخ، وهو موضوع كتابه كله، ليس آلة لغيره. فلا يصح أن يُستند إلى ابن خلدون في الدعوة إلى تقليص تدريس الشعر أو التاريخ.
4. ملكة اللسان: الممارسة قبل القوانين
يقرر ابن خلدون أن «ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية، ومستغنية عنها في التعليم»26. فصناعة العربية (النحو) علم بقوانين الملكة لا الملكة نفسها. ومَثَلها مثل من يعرف صنعة الخياطة علمًا ولا يحسنها عملًا. ويستدل بأن من النحاة المهرة من لا يحسن كتابة رسالة، وأن من أهل البيان من لا يعرف قواعد الإعراب.
فكيف تحصل ملكة اللسان؟ يجيب ابن خلدون: بكثرة حفظ كلام العرب الجيد من القرآن والحديث وكلام السلف وأشعار العرب. حتى يتنزل المتعلم لكثرة حفظه منزلة من نشأ بينهم، ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب أساليبهم. وعلى قدر جودة المحفوظ وكثرته تكون جودة الملكة.
ويترتب على هذا نتيجة منهجية مهمة: ابن خلدون لا يذم الحفظ في ذاته. فما ينتقده هو الحفظ المنقطع عن الاستعمال، والعناية بالحفظ «أكثر من الحاجة» كما في النص المصدّر به. أما الحفظ الجيد المقرون بالنسج على المنوال فهو عنده طريق الملكة.
5. المحاورة والمناظرة
يجعل ابن خلدون «فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية» أيسر طرق الملكة. فبها يقرب شأن الملكة ويحصل المرام27. وهذا مبدأ مركزي كثيرًا ما يسقط من عروض «التعليم المفيد». مع أنه هو الذي يفسر نقده لطلبة المغرب في النص المصدّر به هذه الدراسة. فالمتعلم الساكت الذي يحفظ ولا يحاور لا تحصل له ملكة التصرف في العلم، مهما طالت ملازمته للمجالس.
6. الرحلة ولقاء المشيخة
يرى ابن خلدون أن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشايخ «مزيد كمال في التعلم». فالبشر يأخذون معارفهم تارة علمًا وتعليمًا، وتارة محاكاة وتلقينًا بالمباشرة. والثاني أشد استحكامًا وأقوى رسوخًا. وكثرة الشيوخ تعين المتعلم على تمييز الاصطلاحات، فيدرك أنها «أنحاء تعليم وطرق توصيل»، فيجرد العلم عنها28. فالرحلة تجمع فائدتين: تقوية الملكة بالمباشرة، والتحرر من التعلق باصطلاح شيخ واحد.
7. الكتابة والحساب وتنمية العقل
في الباب الخامس يقرر ابن خلدون أن الصنائع تكسب صاحبها عقلًا، وخصوصًا الكتابة والحساب. فالكتابة انتقال من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال، ومن هذه إلى المعاني التي في النفس. وتكرار هذا الانتقال يكسب ملكة سريعة في الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي. والحساب تصرّف في العدد بالضم والتفريق، يحتاج فيه صاحبه إلى استدلال كثير، فيتعود الاستدلال والنظر.
وينبغي التنبيه إلى أن إدراج الكتابة والحساب ضمن مبادئ «التعليم المفيد» تركيب منا لا تصنيف من ابن خلدون. فهو يذكرهما في سياق أثر الصنائع في العقل. لكن ضمهما إلى تصوره التعليمي مشروع، لأنه يبين أن للتعليم عنده غاية تتجاوز تحصيل العلم المعين إلى تنمية العقل نفسه.
سادسًا: ابن خلدون في سياقه التعليمي
لا تُعرف أصالة ابن خلدون في التعليم إلا بمقارنته بمن سبقه. فقد عرف التراث الإسلامي قبله مصنفات في أدب التعليم. منها «آداب المعلمين» لمحمد بن سحنون، و«الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين» لأبي الحسن القابسي، و«كتاب العلم» من «إحياء علوم الدين» للغزالي، و«تعليم المتعلم طريق التعلم» للزرنوجي، و«تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة29.
وتشترك هذه المصنفات مع ابن خلدون في جملة من المبادئ، كالرفق بالصبيان وتقييد ضربهم، والتدرج، ومراعاة استعداد المتعلم. فهذه ليست من مبتكرات ابن خلدون. غير أنه يتميز في نظرنا بثلاثة أمور:
- التفسير بدل الوصاية. المصنفات السابقة في الغالب وصايا أخلاقية وفقهية للمعلم والمتعلم. أما ابن خلدون فيعلل: لماذا يضر القهر، ولماذا يخل الاختصار، ولماذا تقصر ملكة أهل المغرب. ويرد ذلك كله إلى مفهوم موحد هو الملكة.
- الإدماج في علم العمران. يربط ابن خلدون جودة التعليم بكثرة العمران واتصال السند. فيحوّل الكلام في التعليم من «أدب» إلى تحليل اجتماعي.
- المحاكمة المقارنة. يقارن ابن خلدون بين مذاهب الأمصار ويحكم عليها بمعيار نتائجها في تكوين الملكة. ويكشف بذلك الصلة بين الطريقة التعليمية والبنية الثقافية.
سابعًا: نظرية أم منظور؟
1. في المفاهيم
يستعمل لفظ «النظرية» في العلوم الإنسانية بمعان متفاوتة. وأضيق هذه المعاني هو المعنى المستمد من العلوم التجريبية. فالنظرية به نسق من القضايا المترابطة منطقيًا، يقوم على مفاهيم محددة، ويفسر طائفة من الظواهر، ويُشتق منه فروض قابلة للاختبار. أما «النموذج» فتمثيل مبسط لظاهرة أو لعملية، يُستعمل لتنظيم الممارسة أو توجيه البحث، دون أن يدعي تفسيرًا شاملًا. وأما «المنظور» فزاوية نظر عامة تحدد ما يُعدّ مهمًا في الظاهرة، وتقترح مفاهيم لقراءتها، دون أن تبلغ درجة النسق الاستنباطي.
وليس صحيحًا أن علم التدريس الحديث يخلو من النظريات بهذا المعنى. فثمة نظريات في التعلم كالسلوكية والمعرفية والبنائية. وفي الديداكتيك نفسه نظريات صريحة، كنظرية الوضعيات الديداكتيكية عند غي بروسو، ونظرية النقل الديداكتيكي عند إيف شوفالار30.
2. موقع التصور الخلدوني
يتوفر التصور الخلدوني على عناصر من النظرية. ففيه مسلمة أساسية هي أن الفكر طبيعي وأن التعلم مقتضى من مقتضياته. وفيه مفهوم مركزي يُنظم ما عداه هو الملكة. وفيه آلية تفسيرية هي التكرار الذي يحوّل الحال إلى ملكة. وفيه قدرة على تفسير وقائع عصره، كقصور ملكة أهل المغرب وتراجع العلوم بتراجع العمران.
غير أنه لا يبلغ درجة النظرية بالمعنى الضيق لأسباب ثلاثة. أولها أنه لم يُصَغ نسقًا مستقلًا، بل جاء مبثوثًا في فصول ضمن مشروع أوسع هو علم العمران. وثانيها أن كثيرًا من أحكامه مصوغ صياغة ترجيحية («فربما كان ذلك أجدر») لا تقريرية. وثالثها أن قواعده مستخلصة من ملاحظة تعليم العلوم الشرعية واللسانية في الأمصار الإسلامية، ولم تُختبر خارج هذا المجال.
وليس هذا مأخذًا على ابن خلدون. فمطالبة نص من القرن الثامن الهجري بشروط النظرية الحديثة مفارقة تاريخية في ذاتها. وإنما هو تحديد لطبيعة ما قدّمه. لذلك نقترح أن نسمي ما قدمه «منظورًا تعليميًا» متسقًا محوره الملكة. ويمكن أن نصطلح عليه بـ«منظور التعليم المفيد»، اقتباسًا من عبارة ابن خلدون نفسه.
ثامنًا: مقارنات استكشافية مع التربية الحديثة
يغري التصور الخلدوني بالمقارنة مع مفاهيم التربية الحديثة. غير أن المقارنة لا تكون علمية إلا إذا التزمت شرطين. الأول أن تكون مقارنة وظيفية تبين ما يؤديه المفهوم في كل نسق، لا مطابقة بين الألفاظ. والثاني أن تبين حدود التشابه بقدر ما تبين وجوهه. وفي ضوء هذين الشرطين نقترح المقابلات الآتية:
| المفهوم أو المبدأ الخلدوني | المقابل الحديث | وجه التشابه | حدود التشابه |
|---|---|---|---|
| التدرج في ثلاث تكرارات | المنهاج الحلزوني (برونر) | العودة إلى المادة نفسها في مستويات متصاعدة من التعقيد | المنهاج الحلزوني يقوم على تصور لبنية المعرفة ونمو المتعلم لا نجده عند ابن خلدون |
| مراعاة الاستعداد والتقريب بالإجمال والأمثلة | منطقة النمو القريب والسقالات (فيغوتسكي) | التعليم يستهدف ما يقدر عليه المتعلم بمساعدة المعلم | مفهوم فيغوتسكي جزء من نظرية في النمو الثقافي للوظائف الذهنية |
| عدم الخلط وعدم تفريق المجالس | نظرية العبء المعرفي (سويلر) | محدودية قدرة المعالجة الذهنية وضرر تشتيتها | نظرية العبء المعرفي مؤسسة على بحوث تجريبية في الذاكرة العاملة |
| من الحال إلى الملكة بالتكرار | اكتساب المهارة والممارسة المقصودة (أندرسون، إريكسون) | تحويل المعرفة إلى قدرة آلية راسخة بالممارسة المتكررة | الممارسة المقصودة تشترط التغذية الراجعة والتحدي المتدرج، وهو ما لا يفصّله ابن خلدون |
| ملكة اللسان غير صناعة العربية | التمييز بين الاكتساب والتعلم (كراشن)، والكفاية التواصلية (هايمز) | القدرة على الاستعمال تحصل بالتعرض للغة واستعمالها لا بتعلم قواعدها | نماذج كراشن وهايمز مؤسسة على تصورات حديثة في اللسانيات وعلم النفس |
| اختلاف الاصطلاحات ووحدة العلم | النقل الديداكتيكي (شوفالار) | التمييز بين المعرفة العالمة وصيغتها التعليمية | نظرية شوفالار تحلل مؤسسات وفاعلين في نظام تعليمي حديث |
| الملكة غاية التعليم | الكفاية في المقاربة بالكفايات | غاية التعليم قدرة مندمجة على التصرف لا تراكم معلومات | الكفاية تُعرَّف إجرائيًا بوضعيات وتُقوَّم بمعايير، والملكة لا تُعرَّف بهذه الطريقة |
ويتضح من هذا الجدول أن مقابلة الملكة بـ«الهدف السلوكي» في نموذج التدريس بالأهداف ليست أنسب المقابلات. فالهدف السلوكي صياغة إجرائية لسلوك قابل للملاحظة والقياس الفوري. أما الملكة فصفة راسخة مركبة لا تُختزل في سلوك محدد. وأقرب المفاهيم الحديثة إليها مفهوم الكفاية، مع الفارق الذي أشرنا إليه.
وكذلك لا يقابل «التفنن» التقويمَ. فالتفنن عند ابن خلدون أثر الملكة وعلامتها، والتقويم إجراء خارجي للحكم على التعلم. ولا يقابل «التكرار» الدعمَ. فالتكرار عنده طريقة لتكوين الملكة لدى كل متعلم، والدعم تدخل علاجي لمن تعثر.
تاسعًا: حدود الاستلهام
ما الذي يمكن أن تستفيده المدرسة اليوم من هذا التصور؟ نميز في الجواب بين ثلاثة مستويات.
ما يمكن استلهامه بثقة. ويتعلق بمبادئ تتقاطع فيها ملاحظة ابن خلدون مع نتائج بحث تربوي حديث مستقل عنه. منها أن غاية التعليم قدرة راسخة لا تراكم معلومات. وأن القهر يفسد التعلم والشخصية معًا. وأن تكديس المقررات والشروح عائق عن التحصيل. وأن التدرج والعودة إلى المادة في مستويات أعمق أنجع من العرض الخطي. وأن المحاورة شرط في تكوين القدرة على التصرف في العلم. وقيمة ابن خلدون هنا أنه صاغ هذه المبادئ بلغة ومفاهيم من تراثنا، فيسهل إدماجها في الخطاب التربوي العربي. وليس مصدر قيمته أنه «سبق» إليها.
ما يحتاج إلى بحث مستقل. ومنه قضايا معاصرة يغري كلام ابن خلدون بالحسم فيها، ولكنه لا يكفي وحده لحسمها. من أمثلتها: موقع تدريس قواعد اللغة العربية في التعليم الابتدائي، وتعدد اللغات في المدرسة، والتوازن بين المواد العلمية والإنسانية. فمبدأ «عدم الخلط بين علمين» قيل في سياق تعليم العلوم، ولا ينطبق آليًا على تعدد اللغات في المدرسة الحديثة. ومبدأ «ملكة اللسان غير صناعة العربية» يقتضي تقديم الممارسة اللغوية على القواعد، لا إلغاء القواعد. ثم إن ابن خلدون نفسه يجعل حفظ الشعر الجيد طريقًا إلى الملكة. وهذه القضايا تُحسم بدراسات تجريبية وميدانية، ويكون كلام ابن خلدون فيها مصدرًا لفروض البحث لا بديلًا عن نتائجه.
ما لا يمكن نقله. ومنه ما هو مرتبط ارتباطًا عضويًا بسياق ابن خلدون. ومن ذلك تصوره لغاية التعليم في إطار مراتب العلوم الشرعية والعقلية، وقبوله بحد أدنى من الضرب، وتعميماته على الأمم والجماعات. فهذه تُدرس بوصفها جزءًا من تاريخ الفكر التربوي، لا بوصفها توجيهات للحاضر.
ويبقى سؤال يستحق بحثًا مستقلًا: هل يمكن أن يكون مفهوم «الملكة» إطارًا لإغناء «المقاربة بالكفايات» المعتمدة في المنظومة التربوية المغربية منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟ وذلك لا بإحلال لفظ محل لفظ، بل بإدخال ما تتميز به الملكة. ومما تتميز به: البعد الزمني الطويل لتكوينها، ودور المحاورة والمحاكاة والمباشرة، وارتباطها بشروط اجتماعية ومؤسسية هي ما سماه ابن خلدون «السند».
خاتمة
انطلقت هذه الدراسة من سؤال عن طبيعة التصور التعليمي في «مقدمة» ابن خلدون. وخلصت إلى النتائج الآتية:
- يحتل التعليم موقعًا معتبرًا في الباب السادس من الكتاب الأول. ولا يقتصر على فصول «طرق التعليم» المعروفة، بل يمتد إلى فصول ملكة اللسان التي تقدم أوفى تطبيق لنظرة ابن خلدون في الاكتساب.
- يقوم هذا التصور على مفهومين: الصنعة التي تفسر طبيعة التعليم وتعدد اصطلاحاته وارتباطه بالعمران والسند. والملكة التي تحدد غايته. والملكة مفهوم موروث من الفلسفة الأرسطية والعلوم اللسانية، لكن ابن خلدون أعاد توظيفه وجعله مفتاحًا لتفسير اكتساب المعرفة والمهارة.
- «وجه التعليم المفيد» عنده طريقة واحدة متكاملة. فهو تدرج في ثلاث تكرارات متصاعدة. ويُتجنب فيه إلقاء الغايات في البدايات والخلط والإطالة والتوسع في الآلات. ويقوم على المحاورة والمباشرة وجودة المحفوظ.
- لا يرقى هذا التصور إلى نظرية بالمعنى الاصطلاحي الحديث، لكنه منظور متسق مندمج في علم العمران. ومن هذا الإدماج تأتي أصالته بالقياس إلى المصنفات التعليمية السابقة.
- استلهام هذا المنظور مشروع ومثمر بشرط التمييز بين ما يمكن نقله، وما يحتاج إلى بحث مستقل، وما هو مرتبط بسياقه التاريخي.
ونقترح لأبحاث لاحقة ثلاثة مسارات. الأول تحقيق مقارن لنصوص التعليم في المقدمة عبر الطبعات والمخطوطات. والثاني دراسة مفصلة لمفهوم الملكة في انتقاله من الفلسفة إلى علوم اللسان إلى ابن خلدون. والثالث اختبار بعض المبادئ الخلدونية، كالتدرج المكرر وتقديم الممارسة اللغوية على القواعد، في دراسات ميدانية داخل المدرسة المغربية.
الهوامش
- ابن خلدون، المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، ص … ↩
- ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005، 3 أجزاء. وتُقابَل الإحالات عند الحاجة بتحقيق علي عبد الواحد وافي، وبالترجمة الإنجليزية لفرانز روزنتال. ↩
- المقدمة، فصل «في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- Yves Chevallard, La transposition didactique: du savoir savant au savoir enseigné, Grenoble: La Pensée Sauvage, 1985. ↩
- المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، وفصل «في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن اللغة ملكة صناعية»، ص … (يُراجع النص في الطبعة المعتمدة). ↩
- المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، ص … ↩
- أرسطو، المقولات، الفصل الثامن (8b26–9a13). ↩
- أرسطو، الأخلاق النيقوماخية، الكتاب الثاني، الفصل الأول (1103a14–b25). ↩
- يُنظر في مفهوم الهابيتوس: Pierre Bourdieu, Le sens pratique, Paris: Minuit, 1980. والمقارنة هنا تقريبية لبيان البعد الجماعي للملكة، لا مطابقة بين الإطارين. ↩
- المقدمة، فصل «في أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه»، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم»، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته»، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- المصدر نفسه، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار ولا تفرع المسائل»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع»، ص … ↩
- المقدمة، فصل «في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم»، ص … ↩
- نُشرت رسالتا ابن سحنون والقابسي ضمن: أحمد فؤاد الأهواني، التربية في الإسلام، القاهرة: دار المعارف، 1968. ↩
- Guy Brousseau, Théorie des situations didactiques, Grenoble: La Pensée Sauvage, 1998؛ وChevallard، مرجع سابق. ↩
المصادر والمراجع
المصادر
- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق عبد السلام الشدادي. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005.
- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق علي عبد الواحد وافي. القاهرة: لجنة البيان العربي، 1957–1962.
- Ibn Khaldûn. The Muqaddimah: An Introduction to History. Trans. Franz Rosenthal. 3 vols. New York: Pantheon Books (Bollingen Series XLIII), 1958.
- ابن جماعة، بدر الدين. تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم.
- الزرنوجي، برهان الإسلام. تعليم المتعلم طريق التعلم.
- الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، كتاب العلم.
المراجع العربية
- الأهواني، أحمد فؤاد. التربية في الإسلام. القاهرة: دار المعارف، 1968.
- الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون: العصبية والدولة. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1971.
- الحصري، ساطع. دراسات عن مقدمة ابن خلدون.
المراجع الأجنبية
- Al-Azmeh, Aziz. Ibn Khaldun: An Essay in Reinterpretation. London: Frank Cass, 1982.
- Anderson, John R. "Acquisition of Cognitive Skill." Psychological Review 89, no. 4 (1982): 369–406.
- Berkey, Jonathan. The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo. Princeton: Princeton University Press, 1992.
- Bourdieu, Pierre. Le sens pratique. Paris: Minuit, 1980.
- Brousseau, Guy. Théorie des situations didactiques. Grenoble: La Pensée Sauvage, 1998.
- Bruner, Jerome. The Process of Education. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1960.
- Chevallard, Yves. La transposition didactique. Grenoble: La Pensée Sauvage, 1985.
- Ericsson, K. Anders, Ralf Th. Krampe, and Clemens Tesch-Römer. "The Role of Deliberate Practice in the Acquisition of Expert Performance." Psychological Review 100, no. 3 (1993): 363–406.
- Hymes, Dell. "On Communicative Competence." In Sociolinguistics, edited by J. B. Pride and J. Holmes, 269–293. Harmondsworth: Penguin, 1972.
- Krashen, Stephen. Principles and Practice in Second Language Acquisition. Oxford: Pergamon, 1982.
- Mahdi, Muhsin. Ibn Khaldûn's Philosophy of History. London: George Allen & Unwin, 1957.
- Makdisi, George. The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1981.
- Sweller, John. "Cognitive Load During Problem Solving: Effects on Learning." Cognitive Science 12, no. 2 (1988): 257–285.
- Vygotsky, Lev S. Mind in Society. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1978.